تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرارا عن تصريحات سابقة هدد فيها بتصعيد الصراع، وقرر أن يفتح المجال للدبلوماسية, وينتظر ماذا ستأتي به, فسبق مثلا أن قال أنه سيمحو الحضارة الإيرانية بأكملها, و أن الجحيم ينتظر أي رفض إيراني للمطالب الأمريكية, لكن ما هو واضح في الوقت الحالي أن الدبلوماسية لم تؤت أكلها ووصلت إلى طريق مسدود, موقفا البلدين بعيدان تماما عن بعضهما وكل التوقعات وفقا للمعطيات تقول أن النتيجة صفر, فالعقدة الأساسية لهذا الصراع تتمثل في ملف إيران النووي والذي تصر إيران على تأجيل الحديث فيه والتركيز أولا على إعادة فتح مضيق هرمز ورفع العقوبات و وقف الحرب وقدمت لواشنطن عبر الوسطاء الباكستانيين ورقة أخيرة بهذا المضمون, ولم تتردد واشنطن في رفضها, والتأكيد على أن الملف النووي هو السبب الأساسي الذي أدى إلى نشوب هذه الحرب إذا حُلَّ, تتوقف الحرب.
طهران تريد الأن رفع الحصار والعقوبات وتريد آجلا مواصلة تخصيب اليورانيوم، لإعادة بناء قوتها بما يمكّنها من ضرب أهداف أبعد, وتراهن في اللحظة الراهنة على استنزاف الوقت للضغط على ترامب المحاصر داخليا بأسعار الطاقة والانتخابات النصفية في نوفمبر, وإن كانت حسابات إيران في الرهان على الوقت هذه المرة ليست دقيقة فمثلما لم يكن الوقت في صالح ترامب فهو أيضا ليس في صالح إيران المدمرة فعليلا من الداخل.
الرئيس ترامب اعتمد أسلوب الضغط حتى اللحظة الأخيرة، يضغط بالحصار البحري على إيران باعتباره يعجل بانهيارها اقتصاديا وقد يلجأ إلى استئناف الحرب بعملية سريعة ومحدودة كجزء من الضغط إذا شعر بأن هذا سيجبر إيران على الرضوخ, فهذا بالنسبة له جزء من المفاوضات, ومن ثم رفض المقترح الإيراني وأعلن عدم فك الحصار بل وأصدر تعليمات لمساعديه بالاستعداد لـحصار مطول لإيران، في محاولة لإجبارها على الاستسلام النووي الذي رفضته منذ فترة طويلة, و قيل أن إيران تعد ورقة جديدة بتعديلات, وكل التوقعات تشير إلى رفضها مقدما من واشنطن.
اعتقد أن الرئيس ترامب حسب حسبته من باب أن الإبقاء على الحصار, قد يجبر إيران على الرضوخ, لكن ما لم يحسبه أوربما حسبه ويتخوف منه هوأن استمرار الحصار قد يطيل أمد النزاع الذي أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالميا، وتسبب في تراجع شعبيته في استطلاعات الرأي، ويزيد من قتامة فرص الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر القادم، كما تسبب في أدنى معدل لعبور السفن من مضيق هرمز منذ بدء الحرب, ومنذ اتفاق وقف إطلاق النار في 7 أبريل الماضي.
المشهد الآن: كل طرف يشعر بأنه الأقوي ويستطيع الضغط على منافسه, ومن ثم يتموضع في مكانه ولا يتحرك قيد أنمله نحو الحل, وهذا النوع يسمى في علم التفاوض "التفاوض الموضعي", ويقول المنظرون أن فرص إتمام أي تفاوض موضعي تكاد تكون معدومة، ومع استمرار هذا الشعور لا ننتظر أن يكون هناك اتفاق ولن تجدي نفعا أي مفاوضات تعقد بلا طالولة من الأساس.
بعد أكثر من شهرين من الحرب وخسائر كبيرة ليس لأطراف الصراع وحدهم ولكن للعالم كله بسبب خنق الاقتصاد العالمي بغلق مضيق هرمز الذي استخدم كورقة تفاوض من العدم, فالمضيق ممر مائي طبيعي عالمي مفتوح للعبور بلا رسوم, وكون هناك دول بعينها تشرف عليه لقربها منه؛ فهذا ليس معناه أن هذه الدول تملك المضيق وليس من حق أي دولة أن تمنع المرور "البريء" عبر المضيق, لكن ما حدث تم غلق المضيق بالمخالفة للقانون الدولي وقانون البحار و الفاتورة يدفعها العالم.
بعد فشل التفاوض, قد يلجأ الرئيس ترامب إلى السيناريو البديل والأخير, يقول انتصرنا انتصرنا, وقد قالها بالفعل وهذه عناوين مما قاله"بالبنط العريض": "دمرنا الدفاعات الجوية الإيرانية", ,لن نسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي", "دمرنا معظم القدرات الصاروخية الإيرانية", "إيران لم يتبق لديها سوى عدد قليل من الصواريخ", "نسبة التضخم في إيران في أعلى مستوياتها والاقتصاد الإيراني ينهار","إيران مهزومة عسكريا"..إيران من جانبها ستلجأ لنفس السيناريو وتقول "انتصرنا و أجبرنا ترامب على التراجع والانسحاب".
اعتقد فعلا أن هذه الحرب انتهت, لكن الصراع نفسه لم ينته, سنكون أمام صراع عمره طويل و حروب تنشب وتتوقف حسب الحاجة والظروف,ستتوقف الحرب قريبا, لكنها ستعود مستقبلا للواجهة مرة ثانية أو مرات.